القرطبي
51
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الجمع ، كما قال تعالى : " فإن كان له إخوة فلأمه السدس " ولا يحجبها عن الثلث إلى السدس إلا اثنان من الاخوة فصاعدا ، على ما يأتي بيانه في " النساء ( 1 ) " . الثاني : أنهما لما كانا الرأس في التعليم نص عليهما دون اتباعهما ، كما قال تعالى : " عليها تسعة عشر ( 2 ) " الثالث : إنما خصا بالذكر من بينهم لتمردهما ، كما قال تعالى : " فيهما فاكهة ونخل ورمان ( 3 ) " وقوله : " وجبريل وميكال " . وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب ، فقد ينص بالذكر على بعض أشخاص العموم إما لشرفه وإما لفضله ، كقوله تعالى : " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي ( 4 ) " وقوله : " وجبريل وميكال " ، وإما لطيبه كقوله : " فاكهة ونخل ورمان " ، وإما لأكثريته ، كقوله صلى الله عليه وسلم : ( جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا ) ، وإما لتمرده وعتوه كما في هذه الآية ، والله تعالى أعلم . وقد قيل : إن " ما " عطف على السحر وهي مفعولة ، فعلى هذا يكون " ما " بمعنى الذي ، ويكون السحر منزلا على الملكين فتنة للناس وامتحانا ، ولله أن يمتحن عباده بما شاء ، كما امتحن بنهر طالوت ، ولهذا يقول الملكان : إنما نحن فتنة ، أي محنة من الله ، نخبرك أن عمل الساحر كفر فإن أطعتنا نجوت ، وإن عصيتنا هلكت . وقد روي عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وكعب الأحبار والسدي والكلبي ما معناه : أنه لما كثر الفساد من أولاد آدم عليه السلام - وذلك في زمن إدريس عليه السلام - عيرتهم الملائكة ، فقال الله تعالى : أما إنكم لو كنتم مكانهم ، وركبت فيكم ما ركبت فيهم لعملتم مثل أعمالهم ، فقالوا : سبحانك ! ما كان ينبغي لنا ذلك ، قال : فاختاروا ملكين من خياركم ، فاختاروا هاروت وماروت ، فأنزلهما إلى الأرض فركب فيهما الشهوة ، فما مر بهما شهر حتى فتنا بامرأة اسمها بالنبطية " بيدخت " وبالفارسية " ناهيل ( 5 ) " وبالعربية " الزهرة " اختصمت إليهما ، وراوداها عن نفسها فأبت إلا أن يدخلا في دينها ويشربا الخمر ويقتلا النفس التي حرم الله ، فأجاباها وشربا الخمر وألما بها ، فرأهما رجل فقتلاه ، وسألتهما عن الاسم الذي يصعدان به إلى السماء فعلماها فتكلمت به
--> ( 1 ) راجع ج 5 ص 72 . ( 2 ) راجع ج 19 ص 77 . ( 3 ) راجع ج 17 ص 185 . ( 4 ) راجع ج 4 ص 109 . ( 5 ) في بعض نسخ الأصل : " ناهيد " بالدال المهملة بدل اللام .